حبيب الله الهاشمي الخوئي
22
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وأعظكم بالموعظة البالغة فتفرقون عنها ، كأنكم حمر مستنفرة فرّت من قسورة ، وأحثكم على جهاد أهل الجور ، فما اتى علىّ آخر قولي حتى أراكم متفرّقين أيادي سبا ، ترجعون إلى مجالسكم ، تتربعون حلقا ، تضربون الأمثال ، وتنشدون الأشعار ، وتجسّسون الأخبار . حتّى إذا تفرّقتم تسئلون عن الأشعار جهلة من غير علم ، وغفلة من غير ورع وتتبّعا من غير خوف ، ونسيتم الحرب والاستعداد لها ، فأصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها ، شغلتموها بالأعاليل والأضاليل ، فالعجب كلّ العجب وكيف لا أعجب من اجتماع قوم على باطلهم وتخاذلكم عن حقّكم . يا أهل الكوفة أنتم كامّ مجالد حملت فاملصت ( 1 ) فمات قيّمها ، وطال ايّمها ، وورثها ابعدها والذي فلق الحبّة وبرء النّسمة إنّ من ورائكم الأعور الأدبر جهنّم الدّنيا لا تبقى ولا تذر ، ومن بعده النهّاس ( 2 ) الفراس الجموع المنوع . ثمّ ليتوارثنكم من بني اميّة عدّة ما لآخر بأرأف بكم من الأوّل ما خلا رجلا واحدا ( 3 ) ، بلاء قضاه اللَّه على هذه الأمة لا محالة كاين ، يقتلون أخياركم ، ويستعبدون أراذلكم ، ويستخرجون كنوزكم وذخايركم من جوف حجالكم نقمة بما ضيّعتم من أموركم ، وصلاح أنفسكم ودينكم . يا أهل الكوفة أخبركم بما يكون قبل ان يكون لتكونوا منه على حذر ، ولتنذروا به من اتّعظ واعتبر ، كأنّى بكم تقولون : إنّ عليّا يكذب كما قالت قريش لنبيّها وسيّدها نبيّ الرّحمة محمّد بن عبد اللَّه حبيب اللَّه . فيا ويلكم فعلى من اكذب أعلى اللَّه فأنا أوّل من عبد اللَّه ووحّده ، أم على
--> ( 1 ) املصت المرة بولدها أسقطت . ( 2 ) النهاس اللحم اخذه بمقدم الأسنان ونهس الحية لسعها وفرس الأسد فريسته دق عنقها والمراد بالنهاس الفراس ، اما هشام بن عبد الملك لاشتهاره بالبخل أو سليمان بن عبد الملك فإنه الذي قنيت له الخلافة بعد وفات الحجاج بقليل بحار . ( 3 ) عمر بن عبد العزيز .